الاثنين، 23 أبريل 2012

النبى

كان موسى عندها واقفًا فوق جبل نبو, وكان يستعد لموته حين أرسل عينيه للأرض الممتدة, ولا تذكر التوراة متى صعد موسى الجبل إلا أنه علي ما يبدو كان وحيدًا ، وربما عند الغروب حين تخضب الشمس الأفق وترحل لرحلتها الليلية, تلك اللحظات التي ترى بها الأشياء مجردة منزوعة الألوان, والتفاصيل من فوق قمة كالتي لموسى, كان بكامل نضارته صامتًا محدقًا في الأرض التي أخرجته .
حينها كلمه الله: "هذه هي الأرض , قد أريتك إياها بعينيك ولكنك إلي هناك لا تعبر" .
ربما استعاد موسي من مخيلته صورة بني إسرائيل في أرض عبوديتهم, ثم رحلته هاربًا متسللاً بفعلته, ثم طريق عودته ورؤيته جبل الله حوريب ولقاءه مع يهوا الذي يُذهبه لفرعون. 
يتذكر ذلك ويفيض الوجع, وتتحرك بداخله أسئلتنا وحيرتنا, فكلنا نضرب البحر كي نغترب, وننفي أرواحنا كي نتغرَّب بأرض تفيض لبنًا وعسلاً وكلنا "يخرج" وينتهي إلى ما انتهى إليه موسى ( ولكنك إلي هناك لا تعبر).
تتدافع بداخلي الأسئلة عن العلل والغايات المريبة للدرجة التي صار ينقضي فيها نهار يومي كاملاً, وأنا جالس أمام سطح المكتب أقف عند آية في التوراة :
لماذا يرحل إبرام مثلاً في البداية ويتغرب وينفطر قلبه ويموت بأرض غربته ولماذا موسى ولماذا يعقوب؟
حياة الأنبياء كلها ارتحال أو هجرة أو هروب أو طرد أو نفي.
هل تفسر هذه الرحلات المقيتة المُتعِبة غربتنا كلنا؟عما نبحث في أرض غربتنا؟عن حياة أطول ووطن يتسع لأحلامنا, نحن لا نريد موتنا لكن كل شيء يقول أننا نموت وكل شيء حولنا لا يملك سوى أن يموت , أجمل وردة وأجمل لحظة وأعمق الكلمات التي تُحيي قلوبنا تموت, رحلتنا مؤلمة كل الألم لكن نحن على ما يبدو نؤمن بأن أجمل رحلاتنا هي الطريق الذي نحاول قطعه للرب.
تحكي التوراة عن ُرحَّل كلما توقفوا عند مكان أطلقوا اسمًا عليه كأن المكان لم يكن موجودًا إلا حين مروا, لكن لو تأملنا أسماءَنا التي اقترحناها على هذه الأماكن سنفهم أننا كنا نضفر منها رباطًا مع الله نستحضره .
(ولكنك إلى هناك لا تعبر) إنه العبور المادي لا العبور الذي تم بالفعل عند العليقة , لكن هل كانت رحلة واحدة؟
هل كانت رحلة إبرام وموسى ويعقوب وشاول وداوود وسليمان والمصريين والعرب وكل الأمم رحلة واحدة؟
الكتاب يحكي كيف بدأت رحلتنا وكيف انتهت , أو يجب أن تنتهي أوكيف لا يجب أن تنتهي, وها هي الحكاية التي تُدمينا وأكذوبتنا التي فرحنا بها حين صرخنا في البرية (لماذا لا تشق يا رب السماء وتهبط؟)
إننا رغم نُبل غايتنا أقمنا مملكتنا هنا, ونقيم وسنحاول إقامتها للأبد مملكة نبوخذ نصر ورعمسيس الثاني وقمبيز وداريوس الأول والإسكندر وبني أمية .. كلهم مملكة داوود القديمة.
كلهم كتبوا رحلاتهم في ألواح بابل, حين جلس جلجامش برفقة أنكيدو وقال في حزن لا أريد أن أموت وحين جلس سليمان تحت الشمس يفتش عن شيء واحد يُحييه للأبد
بالنظر لكتاب موسى أحيانًا تبدو لي الكلمات جسدًا حيًا لخوفنا القديم وحروبنا الطويلة وموتنا اللانهائي وأحيانًا تبدو ارتجال حياة عنيفة لا تموت أبدًا ولا تمرض أبدًا.
وحين قرأت حروب داوود ووحشيته قلت لماذا لا نفكر في حرق مقدساتنا ومذابحنا وصلواتنا؟ كي نتوقف قليلًا عن حرق أنفسنا أم أننا نتوهم التقديس, الذي ندعيه ونحن في الحقيقة نحرق إلهنا كل لحظة حين نقول أن (كلمته) قاسية لهذا الحد.
والتوراة بالنسبة لي تعرض إله قبيلة يهتك عرض الأعداء ويخطط لخلاص أبنائه وحدهم وسعادتهم وحدهم وحياة أبدية وأشياء كثيرة لم يمنح عبر الكتاب غير نقيضها!
ورُغم حيرة الشعب وتذبذبه طيلة التدوين إلا أن ملامح موسى لم تكن أبدًا بتلك الحيرة وهو واقف فوق جبل نبو, كان هادئًا كل الهدوء يصلي مملوءًا بالحب, والطاعة وهو يتلقى نبؤة موته في سلام ليُنهي خدمته بأروع ما يكون, تاركًا لنا تعاليم لا تقتل لا تزن لا تسرق لا تشتهي امرأة جارك ولا تعبد أبدًا إلهًا غيري, لكنه حقيقة لم يمت وحده, مات وماتت أيضًا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق