السبت، 23 يونيو 2012

معاناة البوح


حاولتُ أن أصدقَ ، أتماهى في الوجوه وأدرب روحي على حب العالم والمجيء.
حاولتُ أن أصليَ لكل الآلهة كي أنجو وأن أصنع بكل باب ثقبًا أودعه عيني، حاولت الحضور كاملًا في هـذه الحياة.

الحضور الذي أفهمه في هدءة الأفق ونعومة حلم يتنبأ لي بملكوت يقترب ، حاولت أن أخرج معك عبر نافذة كي نضيء ، كي أقول لك شيئًا ..
جاءت الكلمات صمتًا واليقين هلوسة ولم أقل , وكأني حاولت أن أكون  فلم أكن...
يا الله :
أحس روحي صدأة .. عقلي أيضًا ، شارع طلعت حرب حتى عرابي مأساة , الناس والمحال صدأة ,الوجوه أتربة , الأصوات وخبطة أكتافهم عِبأ.
إنني أصلي الآن أتجه للسماء بعيوني وقلبي ، أهمس في ضعف  أو رقَّة أو خوف .
أبحث عنك ولا أجدك ولاتجدني.
أنا هنا بقلب الملهاة أذوب كمدًا ويأسًا ,ضحكتي مراوغة ,سعادتي وهم ..
 أنا هنا أنتظرك .. لا تقل لي تعالى لأني بين يديك أعيك ولا أعيك ,لا تقل لي أين انت ,لاتقل لي اقترب ,لقد أحببت اللجوء إليك , الوقوف عندك , وعدتني ان أموت مرة واحدة وها أنا أموتُ كل لحظة , بكل ذرة من جسدي بكل فكرة بكل إرادة أنتظرك.
أتذكر عودتي ذات مرة للبيت وكان الطريق معتم ولا أحد غيري ,الصمت يحدثنا أحيانًا بأشد ما يحتدم داخلنا من عراك , وجدتني أسأل هل فعلاً نحن في عالم شرير لا يعرف الله؟
وهل الله لا يعرف الشر ولا يصنعه؟
ولو كانت الإجابة في الحالتين هي ما أعتدنا عليه بـــ"نعم" , فهل العالم خارج سلطة (إرادة) الله ما دمنا في عالم شرير ؟ والله لا يحب الشر ولا يصنعه؟
وإذا كانت الإجابة بــ"لا" هل هذا هو الخير؟ أو هل هذا هو الله الذي أختاره إلاهاً يتفنن في تعذيبنا؟
وإذا كانت الإجابة علامة تعجب فقط هل هذا يعني أنني بدأت بالسؤال الخطأ وعلي أن أسأل بصراحة هل الله حقيقة؟
الله  أُحبه ، وأشعر ـ أحيانًا ـ بلمسة يده تُمسِّد قلبي
 في طريقي المعتاد من قصر العيني للمدينة الجامعية أعبر كوبري الجامعة وتـذوب عيوني في النيل , خفيفة هي السماء حين تطأ القلب
أحبه لأني لا أعرف غير ذلك ، فكم هي أيامنا رائعة به !
و أحبني  ربما  دون أن يقف عند مبادلة أو تذاوب , لم يلتفت لمسافات يفترضها القلب حينًا ، لم يلتفت, فمنحني كل ما يمنحه المحبون , منحني "جحيمــًا" .
أحب السماء وأجربها , ليست تلك التي تبدو بعيدًا كالسياج الخانق وإنما التي أعنيها تلك التي تنمو بداخلي ذلك الأفق الذي يضرب بجذوره قلبي
تصافحني فيكَ ذاتي المنثورةَ كالضوء حينًا متجاورة حينًا كنسيج كامل من دفء الحضور ؛ حضور الآلام وأحبك دائمًا ,هو الحب ,فكرتنا البسيطة عن الإيمان  رداء روحي أو روحك ، إنه الفضاء الذي يمرح فيه ضوء قلوبنا ، خوف بيكاسو ، وصوت "فريد" الممطر بالخلود
 الحقيقة .. آه منها أتعبتني .. أراها بكلِ لمحة، تتسلقني وتبوح بشيء .
يا رب .. ألسنا مراوغة؟
كلُ لوحاتِك في عينيَّ تستضيفُ الدهشة، معنًا للمعنى ، مجازًا للألم وثورة للموت وصوتًا للدموع.
يا رب ألسنا شبهًا للفراغ  .. للرماد؟
أيتها الحقيقة  لما تتعمدين الإغواء وأيتها السماء أي جحود تعنيه لنا تجربة الحياة وأية مهارة لهـذا الألم اللعين الذي اختلس منا الخلود؟
سوف أحلم أن أموت ، سوف أبكي  وهم ينثرون رمادي ,
سوف أُودع أيامنا هناك, حيث يمكنني أن أُخاطبك , أن أصارحك أنني لم أجدك بجواري, لم أجد غير الألم والعذاب, أما هنا  أيًا ما كانت النتيجة وقوة الرفض سأتمرد بكل ما أملك , سأتمرد براسل وبوبر بفيل ساراماجو وحمار خمينث , أتمرد كي يحكوا لى  الجنون وأحكى لنفسي كيف تردد الإنسان في خلق نفسه , وكيف استجاب للحب والعدم وكيف امتلأ بالخدعة للنهاية وكيف هدأ بجراحه, كيف كره وكيف حارب وكيف غنى ورقص وكيف أتعبته الحياة.
أتنفس فيثاغورث ومائدة دافنشي ، أعاشر الأفلاطونية وأصلي بين يدي أرسطو وبعدما أموت أقاتل .
أقاتل وأتهيأ للهزيمة و أعرف أنني لن أُهزم أبدًا لأني مِتْ .. وسأموت وسأعيش ميتًا , أبحث عن رائحتي كأني جان باتيست ولا أجدها أو أطعن قلبي بأفكار ابن رشد ونيتشه وسارتر ليحيا.
وسأصل عند قمة الأوليمب .. سأصل وأجلس وحيدًا محاطًا بالملائكة والآلهه , لكنني سأظل أتوهم "وحدي"وحدتي وأتمرد للأبد بكل ما أملك وما لا أملك أتمرد.


الاثنين، 23 أبريل 2012

يقين الـ (لا أدرية)

حين نكتب يومياتنا نبرر ذلك برغبة ذاتية وهي إخضاع أنفسنا للملاحظة والتأمل..
عندها يمكن لنا أن نتدارس أنفسنا ونرتب مستقبلنا ، فما أجمل أن نتحول لمادة علمية قابلة للفهم والتطور.
ونحن نستغرق وقت طويل جدًا كي نفهم أنفسنا ولكننا نفهمها في النهاية ونمارس رغباتها وأخطائها بقناعة ومحبة وأحيانًا أنانية .. والجميل أن هذه اليوميات ليست تاريخنا الشخصي فحسب وإنما تاريخ البشرية كلها ..
لكن أي عصر نعيشه الآن؟ وأي إنسان هذا الذي يعيش فيه؟
" إننا لا شيء " نقولها ونحن نكاد لا نصدقها .. شعورنا يختلف قليلاً عن عبث سيزيف واللاعقلانية الفلسفية ما بعد الحرب العالمية الثانية .. إننا نقف عند الحافة .. جيل يقوده يقين (اللاأدرية) وفخ النظريات القابلة للتكذيب .. جيل ينذر بــ (موت الانسان)
وهذه الحالة المكثّفة من الوعي جائتنا فقط حين حفرنا عن يومياتنا القديمة وأخضعنا الحياة والأنا والعالم للاختبار بالنفي تارة والاستبدال تارة .. وبعد أن امتلأنا يوما ما بفكرة الانسان الأعلى بتنا لا نملك سوى أن نتهامس متسائلين: هل يمكن لنا أن نعيش للنهاية بإحباط أقل ورؤية عقلية لا تنحرف لغموض أكثر أو حيرة أشد؟

آدم

وُلد الانسان هشًّا منزعجًا وحاول جادًا أن يستعيد سلامه الرائع حين كان وحيدًا في رحم بلا مفاجآت فآوى للكهوف ونسج بها طفولته القصيرة جدًا وهناك حاول من جديد استعادة ما حدث ولا نعرف هل نجح في فَهم خطة الله أم لا.
لكنه ترك لنا آلهة عديدة فوق جُدُر طفولته تلك . كان خائفًا لأبعد حد وحشيًّا جبانًا لكنه لم يكن أبدًا مستسلمًا..
ويخبرنا العهد القديم بتدخل الله لينزع عنا خوفنا وإلحادنا فأرسل الأنبياء والكتب وبدأ تاريخنا يُكتب على جدران المعابد ويُحكى بنبوءات خلاصية حالمة.
وربما ربما انتابته ولو لحظة واحدة وجد فيها متسعًا لبسمة وحيدة يرأف بها على نفسه ويقلِّبها في هدأة ليله.
والانسان منذ ميلاده الأول وصرخته الأولى يحاول جادًا أن يبتسم وحين اكتشف السعادة أقام لها أعيادًا واحتفالات كي يوثِّق فرحه للأبد.
وأجمل ما قدمه الانسان خوفه ورفضه ويقينه وابتسامته .. أي وجوده.
وحين نسأل لما لم ينقرض إنساننا؟
لما نحيا للآن؟
لا أجد سوى لأننا أحببنا الحياة وأخلصنا في حبها.
"الحب".
يجسد لنا المسيح هذه الروعة في مقولة الخد الأيسر فحين تتأمل هذه المقولة لا تجد بُد من التساؤل : متى ندير وجوهنا ؟متى نمنح الآخر خدنا الأيسر سوى ان كان هذا الآخر أخ أو أب أو أم.
إنها فكرة العائلة تلك التي حاول يسوع أن يقذف بنا فيها.
وفي القرآن يعرض لنا النص ببلاغة جميلة فكرة الخد الأيسر (اعدلوا هو أقرب للتقوى) يحثنا هنا على الاقتراب فهذا كل ما يمكننا أن نتملَّكه .. إننا نقترب وحسب لكننا لا نصل أبدًا. التقوى إذن ـ ضمنيًّا ـ تحتاج ما هو أكثر من العدل .
ربما يلمح النص إلى الرحمة أو العفو أو مُثُل عديدة قد تصل في عليائها إلى الخد الأيسر.
ومن المستحيل أن ندعي أن الانسان يمكن فهمه منذ عاصر الأرض وتحول لكائن تتراكم فيه التجارب ، من المستحيل.
فالانسان عاش جاهلاً حينًا إلهيًّا حينًا . وحيد مرة ، جماعة مرة ، تحدث لغات لا حد لها وفسَّر الحياة بصيغ لا تحتمل الحفريات الإلمام بها . وكل ما يجمعنا به وكل ما يسمح لنا بالحديث عن جدنا الأول آدم نياندرتال هي ثقتنا الغريبة في أنه حين بكى بكى كما نبكي وحين شعر بالوحشة امتلأ بما نمتلىء به وحين اكتئب تناول العقاقير نفسها فاستباح لنفسه أن يغني ويرقص ويحب.
تمام مثلما نفعل ..
ولأنه من المستحيل أن نتيقن ما ندعيه حين ننشغل بآلامنا وأوهامنا ومقولاتنا الكبرى .. لأن اليقين في التاريخ وهم وفي طفولتنا البعيدة وهم كان علينا أن نستعيد آدم لا لنتيقنه وإنما لنحاول أن نفهم أنفسنا ولو من بعيد.

النبى

كان موسى عندها واقفًا فوق جبل نبو, وكان يستعد لموته حين أرسل عينيه للأرض الممتدة, ولا تذكر التوراة متى صعد موسى الجبل إلا أنه علي ما يبدو كان وحيدًا ، وربما عند الغروب حين تخضب الشمس الأفق وترحل لرحلتها الليلية, تلك اللحظات التي ترى بها الأشياء مجردة منزوعة الألوان, والتفاصيل من فوق قمة كالتي لموسى, كان بكامل نضارته صامتًا محدقًا في الأرض التي أخرجته .
حينها كلمه الله: "هذه هي الأرض , قد أريتك إياها بعينيك ولكنك إلي هناك لا تعبر" .
ربما استعاد موسي من مخيلته صورة بني إسرائيل في أرض عبوديتهم, ثم رحلته هاربًا متسللاً بفعلته, ثم طريق عودته ورؤيته جبل الله حوريب ولقاءه مع يهوا الذي يُذهبه لفرعون. 
يتذكر ذلك ويفيض الوجع, وتتحرك بداخله أسئلتنا وحيرتنا, فكلنا نضرب البحر كي نغترب, وننفي أرواحنا كي نتغرَّب بأرض تفيض لبنًا وعسلاً وكلنا "يخرج" وينتهي إلى ما انتهى إليه موسى ( ولكنك إلي هناك لا تعبر).
تتدافع بداخلي الأسئلة عن العلل والغايات المريبة للدرجة التي صار ينقضي فيها نهار يومي كاملاً, وأنا جالس أمام سطح المكتب أقف عند آية في التوراة :
لماذا يرحل إبرام مثلاً في البداية ويتغرب وينفطر قلبه ويموت بأرض غربته ولماذا موسى ولماذا يعقوب؟
حياة الأنبياء كلها ارتحال أو هجرة أو هروب أو طرد أو نفي.
هل تفسر هذه الرحلات المقيتة المُتعِبة غربتنا كلنا؟عما نبحث في أرض غربتنا؟عن حياة أطول ووطن يتسع لأحلامنا, نحن لا نريد موتنا لكن كل شيء يقول أننا نموت وكل شيء حولنا لا يملك سوى أن يموت , أجمل وردة وأجمل لحظة وأعمق الكلمات التي تُحيي قلوبنا تموت, رحلتنا مؤلمة كل الألم لكن نحن على ما يبدو نؤمن بأن أجمل رحلاتنا هي الطريق الذي نحاول قطعه للرب.
تحكي التوراة عن ُرحَّل كلما توقفوا عند مكان أطلقوا اسمًا عليه كأن المكان لم يكن موجودًا إلا حين مروا, لكن لو تأملنا أسماءَنا التي اقترحناها على هذه الأماكن سنفهم أننا كنا نضفر منها رباطًا مع الله نستحضره .
(ولكنك إلى هناك لا تعبر) إنه العبور المادي لا العبور الذي تم بالفعل عند العليقة , لكن هل كانت رحلة واحدة؟
هل كانت رحلة إبرام وموسى ويعقوب وشاول وداوود وسليمان والمصريين والعرب وكل الأمم رحلة واحدة؟
الكتاب يحكي كيف بدأت رحلتنا وكيف انتهت , أو يجب أن تنتهي أوكيف لا يجب أن تنتهي, وها هي الحكاية التي تُدمينا وأكذوبتنا التي فرحنا بها حين صرخنا في البرية (لماذا لا تشق يا رب السماء وتهبط؟)
إننا رغم نُبل غايتنا أقمنا مملكتنا هنا, ونقيم وسنحاول إقامتها للأبد مملكة نبوخذ نصر ورعمسيس الثاني وقمبيز وداريوس الأول والإسكندر وبني أمية .. كلهم مملكة داوود القديمة.
كلهم كتبوا رحلاتهم في ألواح بابل, حين جلس جلجامش برفقة أنكيدو وقال في حزن لا أريد أن أموت وحين جلس سليمان تحت الشمس يفتش عن شيء واحد يُحييه للأبد
بالنظر لكتاب موسى أحيانًا تبدو لي الكلمات جسدًا حيًا لخوفنا القديم وحروبنا الطويلة وموتنا اللانهائي وأحيانًا تبدو ارتجال حياة عنيفة لا تموت أبدًا ولا تمرض أبدًا.
وحين قرأت حروب داوود ووحشيته قلت لماذا لا نفكر في حرق مقدساتنا ومذابحنا وصلواتنا؟ كي نتوقف قليلًا عن حرق أنفسنا أم أننا نتوهم التقديس, الذي ندعيه ونحن في الحقيقة نحرق إلهنا كل لحظة حين نقول أن (كلمته) قاسية لهذا الحد.
والتوراة بالنسبة لي تعرض إله قبيلة يهتك عرض الأعداء ويخطط لخلاص أبنائه وحدهم وسعادتهم وحدهم وحياة أبدية وأشياء كثيرة لم يمنح عبر الكتاب غير نقيضها!
ورُغم حيرة الشعب وتذبذبه طيلة التدوين إلا أن ملامح موسى لم تكن أبدًا بتلك الحيرة وهو واقف فوق جبل نبو, كان هادئًا كل الهدوء يصلي مملوءًا بالحب, والطاعة وهو يتلقى نبؤة موته في سلام ليُنهي خدمته بأروع ما يكون, تاركًا لنا تعاليم لا تقتل لا تزن لا تسرق لا تشتهي امرأة جارك ولا تعبد أبدًا إلهًا غيري, لكنه حقيقة لم يمت وحده, مات وماتت أيضًا.

رفاهية الموت

لو أننا لا نموت أبدًا ، لو أننا لا نعرف فكرة الانهدام أبدًا..
كل ما نقوم به يتجه للَّاشيء .. وبعد حين سنتحول بدورنا لبقايا .. بقايا مصمتة تدور في فراغ الكون.
ربما نكون أفسدنا كل شيء لكننا أيضًا قوَّمنا كل شيء.. فتركنا لنا أثرًا في جسد هذا الانهدام الصارم الآخذ في التهامنا .. وربما كنا قادرين أبدًا في تطويع كل ما حولنا .. إننا شعرنا حتى بالذرة ورأينا ـ استطعنا بكل حب أن نرى ـ كيف تجري رقصات الكترون حول نواته .. واطَّلعنا على مراسيم تزاوج ذرَّة بذرَّة .
وهناك بأعمق المحيطات جدولنا الحياة ولم نستح حين افترضنا أن جدَّنا الأول أميبا وأننا كنا يومًا قردا ..
لكن يبقى انهدامنا الذاتي/موتنا ممغص وكريه ومتطفل.
وحين قلنا أننا والطبيعة شيء واحد قلنا أنها أجمل وأروع منا وأن خطأها الوحيد هو "الموت".
لكن لم يكن الموت هو الجرثومة التي أفسدت حياتنا .. فالأخطاء التي وقعنا فيها انهالت فيما بعد وتمادينا في أخطائنا النبيلة وعبر تاريخنا قاومنا واعتذرنا وأحيانا اختارنا أن نخطيء
والآن في ظل حضارتنا العلمانية نحن نتعامل مع الموت على أننا يوما ما سنتخطاه وربما يتحول إلى نهاية اختيارية أو رفاهية .. ومرة كتب توفيق الحكيم عن جيل لا يعرف الموت في "أرني الله" ..وكانت كلماته مبطنة بأننا لو لم نكن نعرفه لاكتشفناه أو ابتكرناه ولكان عندها أعظم اكتشافاتنا .. وفي حوالي 50 صفحة في "الله كأنه هو" حاولت أن أقول أنه لولا الموت لما كانت أغلب أفكارنا الدينية و العقدية موجودة وأننا لو عرفنا الخلود فلن نتناوله في كتب الفلسفة سوى على أنه مشكلة مثل كل مشكلات الفلسفة التي لا تُحل وحين تكلم د.الرخاوي عن "الحرافيش" لمحفوظ التفت إلى جملة (الممر العابر بين الموت والحياة) جاءت الحياة هنا بعد الموت لا قبله ..هكذا تغنى المصريون القدماء وهذا ما تبنته أغلب الديانات حين جعلت من الموت بداية الحقيقة .. مفتتح لعالم لا يعرف كذب أو خيانة أو حروب .فلنمت إذًا لنرى ماذا هناك.. محبتي.

ليتها الحرية تكفى


جرِّب أن ترسمَ وردةً وترسم طريقًا يمتد تحت قدميك ، ترسم أفقا بمحاذاة يدك وأنت بجانب ميريل ستريب أو لوحة لبيكاسو تقطف منها فراشة .. وانطلق واصرخ بأعلى صوتك "سأفعلها" بكل نبضة يقترحها القلب سأولد وأُثمر طموحًا جديدًا وأفسر الكون بطريقتي
في مثل هذه المناسبات كان يقول لي:
من العبث أن تصف السماء والطرقات, والذين يمشون ويجلسون صف لي حين تقع كيف تنهض, حين نشبت حربا قتلتك كيف نهضت وتَورَّكت وأغلقت الجروح ومضيت ترتب روحك كي يعود المكان نظيفا, صف لي ما لم يحدث أبدًا أبدًا
صف فرحة تستمر يومًا كاملاً .. هل تستطيع ؟
لكن.. هل هناك يا رب فرحة تستمر يومًا كاملاً؟
أنت حر ، لتعزف حضورك كيفما شئت ، قل ما تشاء وأفعل ما تشاء واعبد ما تشاء وعش بطريقتك ومت بطريقتك وليت كل ذلك يكيفينا كي نطمئن, وكي نصدق أولئك الذين يصفقون لنا أو يعبدوننا أو يقلدون تفاهاتنا . أنت حر لكن ليتها الحرية تكفي

فساد


كل الأمور تبدأ ملوثة ثم تنتهي لشئ رائع, لا حد لنا لوصف كماله, بدأت الموسيقى بدق طبول مفرَّغة, ربما كانت مزعجة ضوضائية بدأت إلا أنهاانتهت عند أصابع بيتهوفن وبرانبيوم ولامست شفتي فيروز وفريد وميادة بسيليس, السينما بدأت هكذا أيضًا مسرحًا يزيف فوق خشبته الممثلون وجوههم, يكذبون ويكذبون ثم خرساء بأداء شارل شابلن ثم لملاحم هوليود, فيلم مثل فيلم"بابل" يختزل مآسينا وأفلام عديدة حقيقةً اختزلت مآسينا أو مأساتنا , انها مأساة واحدة, مأساة هذه الدائرة الكبيرة الغير منتظمة الاستدارة والتي نسميها صخرة سيزيف, هي هي هذه الدائرة الصغيرة هذه المرة والغير منتظمة الاستدارة بالطبع تلك التي نسميها"التفاحة", التي اقترح آدم لها مكانًا آخر غير فرع شجرة.
إن كل أفراحنا تبدأ من هناك من هذه الأحزان العميقة عمق بئر بلاتيرو الذي تتوه فيه المعالم, والموجودات وتبقى النجوم رغم كل شئ لامعة فوق سطح مياهه في هدوء لا نستطيع أن نفهمه, إلا في وجوه آبائنا حين يتطلعون نحو الأفق ويطيلون.
هذا يختزل لي ولو مؤقتًا فكرة إحضارنا هنا, أن نحول هذا الفساد إلى أمر ربما يدهش الإله نفسه (إذا جاز لنا قول ذلك) إلى أمر جميل وبُناءًا على كل ما قيل سأكرر عبارة لكن بصيغة أخرى, أن نحول الفساد ـ رجاءًا ألا تفهم أن الفساد هو لازمة للوجود ـ  الوجود بالنسبة لي هو الجمال بعينه, الفلاسفة يميلون لذلك, يتضح الأمر أكثر عند سبينوزا  حين يعلن أن الوجود لا يمكن سوى أن يكون الإله نفسه, على كل حال أنا لا أقصد أبدًا أبدًا أن الفساد له علاقة بالوجود, ببساطة ليست شديدة أقول إنه فسادنا نحن, إن ما علينا تحقيقه هو أن نمحو أخطائنا بشجاعة.